أسباب الرهاب الاجتماعي
تعد التربة أو التنشأة الخاطئة للفرد خاصة في المجتمعات التي يسودها التحفظ أو تطغى عليها الأبوية والتسلط فينشأ الفرد وهو يراقب كل حركاته وسكناته، فهذه نتيجة حتمية للتخويف من الناس ومن المجتمع "حذار أن يراك الناس "،" ماذا يقول الناس عنك" فلا يتصرف بكامل الحرية ولا تكون له الإرادة المطلقة في هذا التصرف ولكن يبقى يراقب أعين المجتمع باستمرار وهكذا ينبت ورم الرهاب الاجتماعي، إضافة إلى ذلك فقد يتعرض الفرد إلى التعنيف اللفظي والجسدي المبالغ فيه سواء داخل الأسرة أو في المجتمع، في المدرسة مما يزيد الأمر تعقيدا، ومن أهم العناصر التي يهملها الآباء أثناء عملية التربية هي العمل على زرع الثقة في نفوس أبنائهم والعكس فلربما وجدنا بعض الآباء والامهات يسخرون من أولادهم ويذكرونهم بقبائحهم باستمرار الجسدية منها والمعنوية فتجد الأب يقول لابنه : " أنت كسول، أنت جبان أنت غبي " وتقول الأم لابنها أولابنتها " أنت قبيحة الوجه " " أنت أسنانك كذا... أو أنفك... أو .. " دون مراعاة للمشاعر البريئة خاصة في فترة الطفولة وخلال العشر سنوات الأولى من العمر وخلال سنين المراهقة، وينشأ عن هذا نوع من الخجل المبالغ فيه خاصة أمام الناس بمعنى أن يصير الفرد ينظر إلى نفسه نظرة دونية ومنهنا يبدأ الداء أيضا، ومن مضاعفات ذلك أن ينشأ قلق تنطبع به شخصية الفرد دون معرفة أي سبب له ثم يولد ذلك حب الفرد للعزلة والانطواء على النفس ويدخل الفرد في صراع مع نفسه لا يدري له أي مبرر......
أعراض الرهاب الاجتماعي وبعض تأثيراته على الحياة السليمة للفرد أحب هنا أن أن أركز على بعض الأعراض غير المعروفة لدى كثير من الناس لأن أعراض الرهاب كثيرة ومنها : - إضافة إلى الخجل والخوف من الناس وخاصة التجمعات لأكثر من شخصين والانطواء والكآبة المستمرة والملل الدائم والقلق والوساوس والشرود والهم الدائمين والنحافة الجسدية عند أكثر المصابين بالرهاب هناك أيضا :
النظر بتوجس وريب إلى الناس
النظر إلى الأشخاص دائما يكون حاد ا
معاملات محدودة للمجتمع في العلاقات الاجتماعية حتى الضرورية منها
المصاب بالرهاب غالبا لا يعبر عن رأيه وهو شديد المداراة للناس (هذا ناتج من نظرته الدونية لنفسه وأيضا الخوف من محاسبة الناس له)
تصرفات المصاب بالرهاب متناقضة فهو يحب ويكره في نفس الوقت مثلا...
مع مرور الوقت تمرض الذاكرة وينحل الجسد
ومن أعراض الرهاب الاجتماعي الجسدية بالإضافة إلى النحافة هناك تسارع للنبض ، الشعور بالغثيان أحيانا خاصة امام الجمهور في المساجد ، في الحفلات والمناسبات أو الأسواق... إضافة إلى فقدان الشهية، والحاجة إلى الجنس، وكل هذا يرجع إلى خلل في الجهاز العصبي المركزي الذي برمجه صاحب المرض على ذلك بمرور الوقت '.
يشعر المريض بالندم دئما نتيجة تصرفاته فهو شديد المراقبة لها مع الناس ويقول دائما " ليتني ما تكلمت... ليتني ما فعلت... "
لا يستطيع الفرد على ذلك بناء علاقة اجتماعية قوية وصادقة مع أي إنسان حتى مع أقاربه... فهو يشك في كل شيء...
يميل المريض عادة إلى تضخيم الامور وتهويلها مهما كانت تافهة وأحيانا يقع في التناقض كما أسلفنا فقد يرى الشيء التافه أمر ا في غاية الخطورة ويرى المصاب الجلل تافها
العلاج
لا تزال كثير من أمراض النفس البشرية قيد البحث والدراسة ورغم تطور علم النفس الحديث إلى أنه لم يجد الحل النهائي للكثير منها كالرهاب الاجتماعي، ورغم تصنيف الأطباء لهذا النوع من المرض على أنه نزول خفيف أو اكتئاب خفيف يمكن السيطرة عليه خاصة عند البداية إلى أن كثير من الدراسات تحذر من تعقد حالة المريض الذي لم يستطع العلاج وتحذر من الاهمال أو التفريط في العلاج فما هو العلاج المثالي للرهاب ؟
* من خلال تجربتي مع المرضى فإن العلاج الأنجع هو العلاج السلوكي الذي يبدأ بتصحيح نظرة المريض الخاطئة وأحكامه على نفسه وتصحيح نظرته إلى الناس ،و إلى المجتمع، يجب على المريض ان يخالف خوفه، أن يقتحم العالم الذي يخاف منه بالتدريج، ومن الأمثلة العلاجية التي مرت بي " إنسان يخاف اللون الأزرق " ولو أن هذا نوع آخر من الفوبيا الشائعة أيضا وبعد عدة لقاءات في العيادة رأيت تحسن بنسبة كبيرة لكن لم يشف المريض بالكامل وفي الجلسة الأخيرة " وعندما استلقى المريض على السرير " همست في أذنه " تخيل أن السرير والرداء الذي تلتحف به أزرقا وتخيل أنك ملطخ بدهان أزرق... ثم أحضرت رداء أزرقا بينما لا يزال المريض ملقى على السرير ثم طلبت منه أن يفتح عينيه فرأى الرداء الأزرق ولم تكن له أي ردة فعل وهكذا طلبت منه أن يجعل شيئا من الطلاء الأزرق في البيت وفي غرفة نومه وقد جائني بعد ستة أشهر وهو في تمام الصحة ثم بعد عام ،فتأكدت فعلا أنه كان يعاني من فوبيا الألوان، وقصة مرضه اكتشفتها من خلال التحاليل النفسية التي أجريتها معه إذ اكتشفت أنه كان في مرحلة المراهقة يرافق والده إلى المستشفى وقد كان مريضا بالسرطان إلى أن توفي الوالد، لكن لا تزال صور اللون الأزرق في المستشفى حاضرة في العقل الباطني لهذا الشاب، ثم تولد له خوف من اللون الأزرق السماوي.
وبالرجوع إلى الموضوع أقول أن أهم شيء في مثل حالة الرهاب الاجتماعي أن يساعد الإنسان نفسه ويغير حاله، أن يصحح نظرته إلى الناس وإلى نفسه، من المهم أن يعلم المريض أنه يتوهم ويخاف من أشياء لا مبرر للخوف منها، أن يكون صادقا مع نفسه ومع الناس، أن يخالف نفسه في أمر الخوف. عمراني عادل طبيب نفسي
|