![]() |
السَّفَر الرابع : ( من كربلاء إلى الكوفة ومن الكوفة إلى الشام بعد قَتْل أخيها الحسين (عليه السلام) وأصحابه الأبرار تحت رعاية الظالمين ، ويشتمل هذا السفر على خطبتَيها البلغتَين في الكوفة وفي مجلس يزيد في الشام ) : الإشارة إلى بلاغتها وشجاعتها : لمّا عزم ابن سعد على الرحيل من كربلاء ، أمر بحمل النساء والأطفال على أقتاب الجمال ، ومرّوا بهنّ على مصارع الشهداء ، فلمّا نَظَرْنَ النسوة إلى القتلى صِحْنَ وضَرَبْنَ وجوههنّ ، وفِيْهِنّ زينب بنت علي (عليهما السلام) تنادي بصوت حزين وقلب كئيب : يا محمداه ، صلّى عليك مليك السماء ، هذا حسين مرمّل بالدماء ، مقطّع الأعضاء ، وبناتك سبايا ، إلى الله المشتكى ، وإلى محمّد المصطفى ، وإلى علي المرتضى وإلى فاطمة الزهراء وإلى حمزة سيّد الشهداء ، يا محمداه ، هذا حسين بالعراء ، قتيل أولاد البغايا ، واحزناه واكُرْباه عليك يا أبا عبد الله ، اليوم مات جدّي رسول الله ، يا أصحاب محمداه ، هؤلاء ذرّيّة المصطفى يُساقون سَوق السبايا ، وهذا حسين محزوز الرأس مِن القفا ، مسلوب العمامة والرداء ، بأبي مَن أضحى معسكره يوم الاثنين نهباً ، بأبي مَن فسطاطه مقطّع العُرَى ، بأبي مَن لا غائب فيُرْجَى ، ولا جريح فيُدَاوَى ، بأبي مَن نفسي له الفداء ، بأبي المهموم حتّى قضى ، بأبي العطشان حتّى مضى ، بأبي مَن شَيْبه يَقطر بالدماء ، بأبي مَن جدّه محمد المصطفى ، بأبي مَن جدّه رسول إله السماء ، بأبي مَن هو سبط نبي الهدى ، بأبي محمّد المصطفى ، بأبي خديجة الكبرى ، بأبي علي المرتضى ، بأبي فاطمة الزهراء (عليها السلام) ، بأبي مَن ردّتْ له الشمس حتى صلّى . فأبكتْ والله كلّ عدو وصديق . ولله دَرّ الشاعر حيث يقول : والطُهْر زينب تستغيث بِندْبِهَا = غرقتْ بفيضِ دموعِها وَجَنَاتِها رَقّتْ لِعظْمِ مصابها أعداؤها = ومِن الرزيّة أنْ تَرِقَّ عِدَاتُها ثمّ إنّها (عليها السلام) سافرتْ هذا السفر المحزن وهي حزينة القلب كسيرة الخاطر باكية العين ناحلة الجسم مرتعدة الأعضاء ، قد فارقتْ أعزّ الناس عليها وأحبّهم إليها ، تحفّ بها النساء الأرامل والأيامى الثواكل ، وأطفال يستغيثون من الجوع والعطش ، ويحيط بها القوم اللِئَام من قتلة أهل بيتها وظالمي أهلها وناهبي رَحْلِها ، كـ : شمر بن ذي الجوشن ، وزجر بن قيس ، وسنان بن أنس ، وخولي بن زيد الأصبحي ، وحرملة بن كاهل ، وحجار بن أبي أبحر ، وأمثالهم لعنهم الله ، ممّن لم يخلق الله في قلوبهم الرحمة ، إذا دمعتْ عيناها أهوتْ عليها السياط ، وإنْ بكتْ أخاها لطمتْها الأيدي القاسية ، وهكذا كان سفرها هذا . ولقد تواترتْ الروايات عن العلماء وأرباب الحديث بأسانيدهم عن حذلم بن كثير ، قال : قدمتُ الكوفة في المحرّم سنة إحدى وستين عند مُنْصَرف علي بن الحسين (عليهما السلام) [ ومعه النساء والأطفال ] من كربلاء ، ومعهم الأجناد يحيطون بهم ، وقد خرج الناس للنظر إليهم ، فلمّا أقبلوا بهم على الجمال بغير وِطاء وجعلنَ نساء الكوفة يبكينَ وينشدنَ ، فسمعتُ عليَّ بن الحسين (عليهما السلام) يقول بصوت ضئيل وقد نهكتْه العلّة وفي عنقه الجامعة ويده مغلولة إلى عنقه : ( إنّ هؤلاء النسوة يبكينَ ، فمَنْ قَتَلَنَا ؟ ) . قال : ورأيتُ زينب بنت علي (عليهما السلام) ولم أَرَ خَفِرَة أَنْطَق منها كأنّها تُفرِغ عن لسان أمير المؤمنين (عليه السلام) ، قال : وقد أَوْمأَتْ إلى الناس أنْ اسكتوا ، فقالت (عليها السلام) : الحمد لله والصلاة على محمد وآله الطيبين الأخيار ، أمّا بعد ، يا أهل الكوفة ، يا أهل الختل والغدر ، أتبكون ؟! فلا رَقَأتْ الدمعة ولا هدأتْ الرَنّة ، إنّما مَثَلُكُم كَمَثَلِ التي نقضتْ غَزْلَهَا مِن بَعْد قوّة أنْكَاثَاً ، تتّخِذونَ أَيْمَانَكم دَخَلاً بَيْنَكم ، أَلاَ وهل فيكم إلاّ الصَلِف النَطِف ، والصَدْر الشَنِف ، ومَلَقُ الإماء ، وغَمْز الأعداء ، أو كمرعى على دِمْنَةٍ أو كَفِضّةِ على مَلْحُودَةٍ ، أَلاَ ساءَ ما قدَمتْ لكم أنفسُكم أنْ سَخطَ الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون ، أَتَبْكون وتَنْتَحِبون ؟ إي والله ، فابْكُوا كثيراً واضْحَكُوا قليلاً ، فَلَقد ذهبتُم بِعَارِها وشَنَارِها ولَنْ ترحضوها بغسل بعدها أبداً ، وأنّى ترحضون قَتْل سليل خاتم النبوّة ومَعْدِن الرسالة وسيّد شباب أهل الجنّة وملاذ حيرتكم ومَفزَع نازلتِكم ومَنَار حجّتكم ومدره سنّتكم ؟ أَلاَ ساءَ ما تَزِرون ، وبُعْدَاً لكم وسُحْقَاً ، فَلَقَد خابَ السَعْي ، وتبّتْ الأيدي ، وخَسِرَتْ الصفقة ، وبِئْتُم بغضب من الله وضُرِبَتْ عليكم الذلّة والمسكنة ، ويْلَكُم يا أهل الكوفة ، أَتَدْرُونَ أيَّ كَبِدٍ لرسولِ اللهِ (صلى الله عليه و آله) فَرَيْتُم ، أيَّ دَمٍ له سفكتُم ، وأَيّ حُرْمَةٍ له انتهكتُم ، ولقد جِئْتُم بها صلعاء عَنْقَاء ، سوداء ، فقماء ، خَرْقَاء ، شوهاء ، كطلاع الأرض ، أو ملأ السماء ، أَفَعَجِبْتُم أنْ مَطَرَتِ السَماءُ دَمَاً ، ولَعَذابُ الآخرةِ أَخْزَى وأنتم لا تُنْصَرون ، فلا يَسْتَخِفَّنّكُم المهل ، فإنّه لا يحفزه البدار ، ولا يخاف فوت الثار ، وإنّ ربّكم لَبِالمِرْصَاد . قال الراوي : فو الله لقد رأيتُ الناس يومئذ حيارى يبكون ، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم ، ورأيتُ شيخاً واقفاً إلى جنبي يبكي حتى اخضلّتْ لحيته بالدموع ، وهو يقول : بأبي أنتم وأُمّي : كهولكم خيرُ الكهول ، وشبابُكم خيرُ الشباب ، ونساؤكم خيرُ النساء ، ونَسْلُكم خيرُ نسل ، لا يُخزى ولا يُبزى . قال المؤلّف النقدي أعلا الله مقامه ، أقول : وهذا حذلم بن كثير من فصحاء العرب أخذه العجبُ من فصاحة زينب وبلاغتها ، وأخذتْه الدهشة من براعتها وشجاعتها الأدبيّة ، حتى أنّه لم يتمكّن أنْ يشبّهها إلاّ بأبيها سيّد البلغاء ، فقال : كأنّها تُفرِغ عن لسان أمير المؤمنين (عليه السلام) . وهذه الخطبة رواها كلُّ مَن كتب في وقعة الطف ، أو في أحوال الحسين (عليه السلام) ، ورواها : * الجاحظ في كتابه ( البيان والتبيين ) عن خزيمة الأسدي ، قال : ورأيتُ نساء الكوفة يومئذ قياماً يندبْنَ مهتكات الجيوب . * ورواها أيضاً أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر بن طيفور في ( بلاغات النساء ) . * وأبو المؤيّد الموفّق بن أحمد الخوارزمي في الجزء الثاني من كتابه ( مقتل الحسين ) . * وشيخ الطائفة في أَمَالِيْه ، وغيرهم من أكابر العلماء . ومِن بلاغتها وشجاعتها الأدبيّة ما ظهر منها (عليها السلام) في مجلس ابن زياد : قال السيد ابن طاووس وغيرهم وممّن كتب في مقتل الحسين (عليه السلام) : إنّ ابن زياد (لعنه الله) جلس في القصر وأَذِنَ للناس إذنَاً عامّاً ، وجِئَ برأس الحسين (عليه السلام) فوُضع بين يديه ، وأُدْخِلَتْ عليه نساء الحسين (عليه السلام) وصبيانه ، وجاءتْ زينب بنت علي (عليهما السلام) وجلستْ متنكّرة ، فسأل ابن زياد (لعنه الله) : مَن هذه المتنكرة ؟ فقيل له : هذه زينب ابنة علي (عليهما السلام) . فأقبل عليها فقال : الحمد لله الذي فضحكم وأَكْذَبَ أُحْدُوثَتَكم . فقالتْ (عليها السلام) : إنّما يُفْتَضَحُ الفَاجِرُ ويُكَذَّبُ الفَاسِقُ وهو غَيْرُنا . فقال : كيفَ رأيتِ صُنْعَ اللهِ بأخِيْكِ وأهل بيته ؟ فقالتْ : ما رأيتُ إلاّ خيراً ، هؤلاء قومٌ كتب اللهُ عليهم القَتْل فبَرَزُوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينَكَ وبينَهُم فَتُحَاجّ وتُخَاصَم ، فانْظُرْ لِمَنْ الفَلَج يَومئذٍ ، ثَكَلَتْكَ أُمُّك يا بن مرجانة . فغضب اللعين وَهَمّ أنْ يضربها ، فقال له عمرو بن حريث : إنّها امرأة والمرأة لا تُؤاخَذ بشيء مِن مَنْطِقِهَا ، فقال لها ابن زياد (لعنه الله) : لقد شفى الله قلبِي مِن طَاغِيَتِكِ الحسين والعصاة المَرَدَة مِن أهل بيتكِ . فقالتْ : لَعمري ، لقد قَتَلْتَ كَهْلِي وقَطَعْتَ فَرْعِي واجْتَثَثْتَ أَصْلِي ، فإنْ كان هذا شفاؤك فَلَقَد اشْتَفَيْتَ . فقال (لعنه الله) : هذه سَجّاعة ، ولعمري ، لقد كان أبوها سجّاعاً شاعِرَاً . فقالتْ : يا بن زياد ، ما للمرأة والسجاعة ، وإنّ لِي عن السَجَاعَةِ لَشُغْلاً . وفي ( لواعج الأشجان ) للسيّد محسن الأمين ( أعلا الله مقامه ) : وكتب ابن زياد إلى يزيد يُخْبره بقتل الحسين (عليه السلام) وخبر أهل بيته . وساق الحديث إلى أنْ قال : وأمّا يزيد فإنّه لمّا وصله كتاب ابن زياد أجابه عليه يأمره بحمل رأس الحسين (عليه السلام) ورؤوس مَن قُتل معه ، وحَمْل أثقاله ونسائه وعياله ، فأرسل ابن زياد الرؤوس مع زَجْر بن قيس ، وأَنْفَدَ معه أبا بردة بن عوف الأزدي وطارق بن أبي ظبيان في جماعة من أهل الكوفة إلى يزيد ، ثمّ أمر ابن زياد بنساء الحسن (عليه السلام) وصبيانه فجهزوا ، وأمر بعليّ بن الحسين فَغُلّ بِغُلٍّ إلى عنقه ، وفي رواية في يديه ورقبته ، ثمّ سرح بهم في إثر الرؤوس مع محفر بن ثعلبة العائدي وشمر بن ذي الجوشن ، وحملوهم على الأقتاب وساروا بهم كما يُسار بسبايا الكفّار ، فانطلقوا بهم حتى لحقوا بالقوم الذين معهم الرؤوس ، فلم يكلّم علي بن الحسن (عليهما السلام) أحداً منهم في الطريق بكلمة حتى بلغوا الشام ، فلمّا انتهوا إلى باب يزيد رفع محفر بن ثعلبة صوته فقال : هذا محفر بن ثعلبة أتى أمير المؤمنين باللئام الفجرة ، فأجابه علي بن الحسين (عليهما السلام) : ( ما ولدت أم محفر أشر وألام ) |
وعن الزهري أنّه لمّا جاءت الرؤوس كان يزيد (لعنه الله) على منظرة جيرون فأنشد لنفسه :
لمّا بدتْ تلك الحمول وأشرقتْ = تلك الشموس على رُبَى جيرون نَعَبَ الغُرَابُ فقلتُ صِحْ أَوْ لا تَصِح = فَلَقَد قَضَيْتُ مِن النبيِّ دُيُونِي قال السيد ابن طاووس ، قال الراوي : ثمّ أُدخل ثِقْل الحسين (عليه السلام) ونساؤه ومَن تخلّف من أهل بيته على يزيد بن معاوية وهم مقرّنون في الحِبَال ، فلمّا وقفوا بين يديه وهم على تلك الحال قال له علي بن الحسين : ( أُناشدك الله يا يزيد ، ما ظنّك برسول الله (صلى الله عليه و آله) لو رآنا على هذه الصفة ؟ ) ، فأمر يزيد بالحبال فقُطِّعتْ ، ثمّ وضع رأس الحسين (عليه السلام) بين يديه ، وأجلس النساء خلفه لئلاّ ينظرْنَ إليه ، فرآه علي بن الحسين (عليهما السلام) فلم يأكل بعد ذلك أبداً ، وأمّا زينب فإنّها لمّا رأتْه أهوتْ إلى جيبها فشقّتْه ، ثمّ نادتْ بصوتٍ حزين يُقْرِح القلوب : يا حسيناه ، يا حبيب رسول الله ، يا بن مكّة ومِنَى ، يا بن فاطمة الزهراء سيدة النساء ، يا بن بنت المصطفى . قال الراوي : فأبكت والله كل من كان في المجلس ويزيد ساكت . قال السيد ابن طاووس : ثمّ دعا يزيد بقضيب خيزران فجعل ينكتُ به ثنايا الحسين (عليه السلام) ، فأقبل عليه أبو برزة الأسلمي وقال : ويحك يا يزيد ، أَتَنْكُثُ بقضيبك ثَغْرَ الحسين (عليه السلام) ، ابن فاطمة (عليها السلام) ، أشهد لقد رأيتُ النبيّ (صلى الله عليه و آله) يرشِفُ ثناياه وثنايا أخيه الحسن (عليه السلام) ويقول : ( أنتما سيّدا شباب أهل الجنّة ، فقتل الله قاتلكما ولعنه وأعد له جهنّم وساءتْ مصيراً ) . قال الراوي : فغضب يزيد وأمر بإخراجه فأُخرج سَحْبَاً ، قال : وجعل يزيد يتمثّل بأبيات ابن الزبعرى : لَيتَ أَشياخي بِبَدرٍ شَهِدوا = جَزَعَ الخَزرجِ مِن وَقعَ الأَسَل لأَهَلُّوا واسْتَهَلُّوا فَرَحَاً = ثُمّ قَالُوا يا يزيد لا تُشَل قَدْ قَتَلْنَا القَرْمَ مِن سَادَاتِهِم = وَعَدَلْنَاه بِبَدْرٍ فَاعْتَدَل لَعِبَتْ هَاشِمُ بِالْمُلْكِ فَلا = خَبَرٌ جَاءَ وَلاَ وَحْيٌ نَزَل لست مِن خِنْدِف إنْ لَمْ أَنْتَقِمْ = مِنْ بَنِي أَحْمَد مَا كانَ فَعَل خطبة زينب (عليها السلام) في مجلس يزيد في الشام : قال الراوي : فقامتْ زينب بنت علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقالتْ : الحمد لله رب العالمين ، وصلّى الله على رسوله وآله أجمعين ، صدق الله سبحانه كذلك يقول : ( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَآءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ) (1) ، أظننتَ يا يزيد ـ حيث أَخَذْتَ علينا أقطار الأرض وآفاق السماء ، فأصبحنا نُسَاق كما تُسَاق الأُسراء ـ أنّ بنا هواناً على الله ، وبك عليه كرامة ، وأنّ ذلك لعظم خطرك عنده ، فَشَمِخْتَ بأنْفِكَ ، ونظرتَ في عطفك جذلان مسروراً حيث رأيتَ الدنيا لك مُسْتَوْسِقَة ، والأمور مُتّسِقَة ، وحين صفا لك مُلْكُنا وسلطاننا ، فَمَهلاً مهلاً ، أَنَسِيْتَ قَوْل الله تعالى : ( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) (2) . أَمِنَ العدل يا بن الطلقاء ، تَخْدِيْرك حرائرك وإِمَائِك ، وسَوْقك بنات رسول الله (صلى الله عليه و آله) سبايا ، قد هتكتَ ستورهن ، وأَبديْتَ وجوههنّ ، تَحْدُو بهنّ الأعداء من بلد إلى بلد ويستشرفهنّ أهلُ المناهِل والمناقِل ، ويتصفّح وجوههنّ القريبُ والبعيدُ والدنيُّ والشريف ، ليس معهنّ مِن رجالهنّ وليّ ولا مِن حُماتهنّ حَمِي ؟ وكيف ترتجي مراقبة مَن لفظ فوه أكباد الأزكياء ، ونبتُ لحمه من دماء الشهداء ؟ وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشَنَفِ والشَنَآن ، والإحَن والأضغان ؟ ثمّ تقول غير متأثّم ولا مستعظم : لأَهَلُّوا واسْتَهَلُّوا فَرَحَاً = ثُمّ قَالُوا يا يزيد لا تُشَل منحنياً على ثنايا أبي عبد الله (عليه السلام) سيد شباب أهل الجنّة تنكثها بِمِخْصَرَتِكَ ، وكيف لا تقول ذلك ! وقد نكأتَ القرحة واستأصلتَ الشَأْفَة بإراقتِكَ دماء ذرّيّة محمّد (صلى الله عليه و آله) ونجوم الأرض من آل عبد المطلب ، وتهتفُ بأشياخك زعمتَ أنّك تناديهم ، فَلَتَرِدَنّ وَشِيْكَاً موردهم ، ولتَوُدَنّ أنّك شُلِلْتَ وبُكِمْتَ ولم تكنْ قلتَ ما قلتَ وفعلتَ ما فعلتَ ، اللّهمّ خُذْ بحقّنا وانتقِمْ مِن ظالمنا ، واحْلُلْ غضبَكَ مِمَّن سَفَكَ دِمَاءَنَا وقَتَل حُمَاتنا ، فو الله ما فَرَيْتَ إلاّ جِلْدَكَ ، ولا حَزَزْتَ إلاّ لَحْمَكَ ، ولتَرِدَنّ على رسول الله (صلى الله عليه و آله) ممّا تحمّلتَ مِن سَفْكِ دِمَاء ذرّيّته ، وانتهكتَ مِن حرمته في عترته ولُحْمَتِهِ ، حيث يجمع الله شَمْلَهم ويَلُمّ شَعَثَهم ويأخذ بحقّهم ، ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (3) وحسبك الله حاكماً وبمحمّد (صلى الله عليه و آله) خصيماً وبجبرائيل ظهيراً ، وسيعلم مَن سوّلَ لك ومكّنكَ من رقاب المسلمين ، وبئس للظالمين بَدَلاً ، وأيّكم شَرٌ مكانَاً وأضعف جُنْدَاً ، ولئنْ جرّتْ عَلَيّ الدواهي مخاطبتك ، إنّي لأَسْتَصْغِرُ قَدْرَك ، وأسْتَعْظِمُ تَقْرِيْعَكَ ، وأَسْتَكْثِرُ تَوْبِيْخَكَ ، لكنّ العيون عَبْرَى والصدور حَرّى ، أَلاَ فالعَجَب كلّ العَجَب لقَتْلِ حزب الله النُجَبَاء بحزب الشيطان الطُلَقَاء ، فهذه الأيدي تنطفُ من دمائنا ، والأفواه تتحلّب من لحومنا ، وتلك الجُثَث الطواهر الزواكي تَنْتَابها العواسِل وتعفّرها أُمَهات الفراعِل ، ولئنْ اتَخذْتَنَا مَغْنَمَاً لتجدنا وَشِيْكَاً مَغْرَمَاً ، حين لا تجد إلاّ ما قدّمتْ يداك ( وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ) (4) فإلى الله المشتكى وعليه المعوّلُ ، فَكِدْ كَيْدَك واسْعَ سَعْيَكَ ونَاصِبْ جُهْدَكَ ، فو الله لا تَمْحُو ذِكْرَنَا ولا تُمِيْتُ وَحْيَنَا ولا تُدْرِكُ أَمَدَنَا ولا تَدْحَضُ عَنْكَ عَارِهَا ، وهل رأيُك إلاّ فَنَد وأَيّامُكَ إلاّ عَدَد وجَمْعُكَ إلاّ بَدَد ، يوم ينادي المنادي : أَلاَ لعنةُ الله على الظالمين ، فالحمد لله ربّ العالمين الذي ختم لأوَّلِنَا بالسعادة والمَغْفِرَة ، ولآخرنا بالشهادة والرحمة ، ونسأل الله أنْ يكمل لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة إنّه رحيم ودود وحسبنا الله ونِعْمَ الوكيل . فقال يزيد : يا صيحةً تُحْمَدُ مِن صَوَائِحِ = مَا أَهْونَ المَوْت على النَوَائِحِ قال المؤلّف النقدي ( أعلا الله مقامه ) : إنّ بلاغة زينب وشجاعتها الأدبية ليست من الأمور الخفيّة ، وقد اعترف بها كلّ مَن كتب في وقعة كربلاء ، ونوّه بجلالتها أكثر أرباب التاريخ ، ولعمري إنّ من كان أبوها علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي ملأت خطبه العالم وتصدى لجمعها وتدوينها أكابر العلماء ، وأُمّها فاطمة الزهراء صاحبة خطبة ( فدك الكبرى ) وصاحبة ( الخطبة الصغرى ) التي ألقتْها على مسامع نساء قريش ، ونقلتها النساء لرجالهنّ ، نعم إنّ مَن كانت كذلك فَحَرِيّة بأنْ تكون بهذه الفصاحة والبلاغة ، وأنْ تكون لها هذه الشجاعة الأدبية والجسارة العلوية ، ويزيد الطاغية يوم ذاك هو السلطان الأعظم والخليفة الظاهري على عامّة بلاد الإسلام ، تؤدّي له الجِزْيَة الأُمَمُ المختلفة والأُمَمُ المتباينة في مجلسه ، الذي أظهر فيه أُبَّهَةَ الملك ومَلأَهُ بهيبة السلطان ، وقد جُرِّدتْ على رأسه السيوف ، واصطفّتْ حوله الجلاوزة ، وهو وأتباعه على كراسيّ الذهب والفضّة وتحت أرجلهم الفرش من الديباج والحرير ، وهي صلوات الله عليها في ذلّة الأَسْر ، دامية القلب باكية الطرف ، حَرّى الفؤاد من تلك الذكريات المؤلِمة والكوارث القاتلة ، قد أحاط بها أعداؤها من كلّ جهة ، ودار عليها حُسّادها مِن كلّ صوب ، ومع ذلك كلّه ترمز للحقّ بالحق ، وللفضيلة بالفضيلة ، فتقول ليزيد غير مكترثة بهيبةِ ملكه ولا معتنية بأُبّهة سلطانه : أَمِنَ العدل يا بن الطلقاء . وتقول له أيضاً : ولئنْ جرّتْ عَلَيّ الدواهي مخاطبتك ، إنّي لأَسْتَصْغِرُ قَدْرَك ، وأسْتَعْظِمُ تَقْرِيْعَكَ ، وأَسْتَكْثِرُ تَوْبِيْخَكَ . فهذا الموقف الرهيب الذي وقفتْ به هذه السيدة الطاهرة مثّل الحقّ تمثيلاً ، وأضاء إلى الحقيقة لطُلاّبها سبيلاً ، أَفْحَمَتْ يزيد ومَن حواه مجلِسُهُ المشؤوم بذلك الأسلوب العالي من البلاغة ، وأَبْهَتَتْ العارفين منهم بما أخذتْ به مجامع قلوبهم من الفصاحة ، فخرِسَتْ الأَلْسُن وكُمّتْ الأفواه وصُمّتْ الآذان ، وكهربتْ تلك النفس النورانيةُ تلك النفوسَ الخبيثةَ الرذيلة مِن يزيد وأتباعه بكهرباء الحقّ والفضيلة ، حتى بلغ به الحال أنّه صبر على تكفيره وتكفير أتباعه ، ولم يتمكّن مِن أنْ يَنْبِس بِبِنْتِ شِفَة ليقطع كلامها أو يمنعها من الاستمرار في خطابتها ، وهذا هو التصرّف الذي يتصرّف به أرباب الولاية متى شاءوا وأرادوا بمعونة الباري تعالى لهم ، وإعطائهم القدرة على ذلك . وما أبدع ما قاله الشاعر الجليل السيد مهدي ابن السيد داود الحلّي عمّ الشاعر الشهير السيد حيدر رحمهما الله في وصف فصاحتها وبلاغتها من قصيدة : قد أسروا مَن خَصّها بآيةِ = التطهيرِ ربّ العرشِ في كتابهِ إنْ ألبستْ في الأَسْرِ ثَوْبَ ذُلَّةٍ = تَجَمَّلَتْ للعزِّ في أَثْوَابِهِ ما خَطَبَتْ إلاّ رَأَوْا لِسَانَهَا = أَمْضَى مِن الصِمْصَامِ فِي خِطَابِهِ وجَلْبَبَتْ فِي أَسْرِهَا آسِرَهَا = عَارَاً رَأَى الصِغَار فِي جِلْبَابِه والفصحاءُ شاهدوا كلامَها = مقال خَيْرَ الرُسْلِ في صَوَابِهِ ومِن شجاعتها الأدبية في مجلس يزيد ما نقله أرباب المقاتل وغيرهم من رواة الأخبار : إنّ يزيد دعا بنساء أهل البيت والصبيان فأُجْلِسُوا بين يديه في مجلسه المشؤوم ، فنظر شاميٌّ إلى فاطمة بنت الحسين (عليها السلام) فقام إلى يزيد وقال : يا أمير المؤمنين ، هَبْ لي هذه الجارية تكون خادمة عندي ؟ قالت فاطمة بنت الحسين (عليها السلام) : فارتعدت فرائصي ، وظننتُ أنّ ذلك جائز لهم ، فأخذتُ بثياب عَمّتي زينب ، فقلتُ : عمّتاه أُوْتِمْتُ وأُسْتَخْدَم ؟ فقالتْ عمّتي للشاميّ : كذِبْتَ والله ولَؤُمْتَ ، ما جعل الله ذلك لك ولا لأميرك . فغضب يزيد وقال : كَذِبْتِ والله ، إنّ ذلك لي ولو شئتُ لَفعلتُ . قالتْ : كلاّ والله ، ما جعل ذلك لك إلاّ أنْ تَخرِج مِن مِلّتِنَا وتدين بغير ديننا . فاستطار يزيد غضباً وقال : إيّاي تستقبلين بهذا الكلام ، إنّما خرج من الدين أبوك وأخوك . فقالتْ زينب : بدين أبي وأخي اهتديتَ أنت وأبوك إنْ كنتَ مسلماً . قال : كَذِبْتِ يا عدوّة الله . قالتْ : يا يزيد ، أنت أمير تشتمُ ظالماً وتقهر بسلطانك ، فكأنّه استحى وسكتَ فأعاد الشامي كلامه هَبْ لي هذه الجارية ، فقال له يزيد : أسكتْ ، وَهَبَ الله لك حَتْفَاً قاضِيَاً . وروى السيد ابن طاووس في اللهوف هذه الرواية كما يأتي : قال : نظر رجل من أهل الشام إلى فاطمة بنت الحسين (عليها السلام) فقال : يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية . فقالتْ فاطمة لعمّتها زينب (عليها السلام) : أُوْتِمْتُ وأُسْتَخْدَمُ ؟ فقالت زينب (عليها السلام) : لا ، ولا كرامة لهذا الفاسق ، فقال الشامي : مَن هذه الجارية ؟ فقال يزيد : هذه فاطمة بنت الحسين ، وتلك زينب بنت علي بن أبي طالب . فقال الشامي : الحسين بن فاطمة وعلي بن أبي طالب ؟ قال : نعم . فقال الشامي : لعنك الله يا يزيد ، أَتقتل عترة نبيّك وتسبي ذرّيّته ، والله ما توهّمتُ إلاّ أنّهم سَبْي الروم ، فقال يزيد : لأُلْحِقَنَّكَ بهم ، ثمّ أمر به فضُرِبَتْ عنقه . والذي يظهر أنّ هاتَين القضيّتين كلتيهما وقعتا في ذلك المجلس المشؤوم . قال السيد محسن الأمين في لواعجه : ثمّ دخلتْ نساء الحسين (عليه السلام) وبناته على يزيد فقمْنَ إليهنّ وصِحْنَ وبَكِيْنَ وأَقَمْنَ المَآتِم على الحسين (عليه السلام) ، ثمّ أمر لهم يزيد بِدَارٍ تتّصِلُ بداره ، وقيل أَمَرَ بهم إلى منزل لا يكنّهم مِن حَرٍّ ولا بَرْدٍ ، فأقاموا فيه حتى تقشّرتْ وجوههم ، وكانوا مدّة مقامهم في الشام ينوحون على الحسين (عليه السلام) . السَّفَر الخامس : ( من الشام إلى كربلاء ، ومن كربلاء إلى المدينة في رعاية النعمان بن بشير وأصحابه ، وقد أمرهم يزيد بالرِفْق بنساء الحسين (عليه السلام) ) : قال المفيد في ( الإرشاد ) : ندب يزيد النعمان بن بشير ، وقال له : تجهّز لتخرج بهؤلاء النسوة إلى المدينة ، وأنقذ معهم في جملة النعمان بن بشير رسولاً تقدّم إليه أنْ يسير بهم في الليل ، ويكونوا أمامه حيث لا يفوتون طرفه ، فإذا نزلوا انتحى عنهم وتفرّق هو وأصحابه حولهم كهيئة الحرس لهم ، وينزل منهم بحيث إنْ أراد إنسان من جماعتهم وضوءاً أو قضاء حاجة لم يَحْتَشِم ، فسار معهم في حملة النعمان ، ولم يزل ينازلهم في الطريق ويرفق بهم كما وصّاه يزيد حتى دخلوا المدينة . وقال السيد ابن طاووس : لمّا بلغوا العراق قالوا للدليل : مُرْ بنا على طريق كربلاء ، فوصلوا إلى موضع المصرَع ، فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري ( رحمه الله ) وجماعة من بني هاشم ورِجالاً مِن آل الرسول (صلى الله عليه و آله) قد وردوا لزيارة قبر الحسين (عليه السلام) فتوافوا في وقت واحد ، وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم ، وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد ، واجتمع إليهم نساء ذلك السواد فأقاموا على ذلك أَيّامَاً ، قال : ثمّ انفصلوا من كربلاء طالبين المدينة ، قال بشر بن حذلم : فلمّا قربنا منها نزل علي بن الحسين (عليهما السلام) فحطّ رَحْلَه وضرب فِسْطَاطَه وأنزل نساءه ، وقال : ( يا بِشْر ، رحم الله أباك لقد كان شاعراً ، فهل تقدر على شيء منه ؟ فقلتُ : بلى يا بن رسول الله ، إنّي لشاعر ، فقال (عليه السلام) : ادْخُل المدينة وانْعَ أبا عبد الله (عليه السلام) ) ، قال بشر : فركبتُ فرسي وركضتُ حتى دخلتُ المدينة ، فلمّا بلغتُ مسجد النبي (صلى الله عليه و آله) رفعتُ صوتي بالبكاء وأنشأتُ أقول : يا أهلَ يثربَ لا مقام لكمْ بها = قُتِلَ الحسين فأدْمُعِي مِدْرَارُ الجِسْمُ مِنْهُ بكربلاء مُضَرّجٌ = وَالرَأْسُ مِنْهُ عَلَى القَنَاةُ يُدَارُ قال : ثمّ قلتُ هذا علي بن الحسين (عليهما السلام) مع عمّاته وأخواته قد حلّوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم ، وأنا رسوله إليكم أعرّفكم مكانه ، قال : فما بَقِيَتْ في المدينة مخدّرة ولا محجّبة إلاّ بَرَزْنَ مِن خُدورِهِنَّ مكشوفة شعورهنّ ، مخمّشة وجوههنّ ، مضروبة خدودهنّ ، يدعون بالويل والثبور ، فلم أَرَ باكياً وباكية أكثر من ذلك اليوم ، ولا يوماً مَرّ على المسلمين مثله . وقال أبو مخنف في مقتله نظير ما نقله السيد ابن طاووس ، ثمّ قام السجّاد (عليه السلام) يمشي إلى أنْ دخل المدينة ، فلمّا دخلها زار جدّه رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، ثمّ دخل منزله . وفي ( المنتخب ) : وأمام أُمّ كلثوم ، فَحِيْنَ توجهتْ إلى المدينة جعلتْ تبكي وتقول : مدينةَ جَدِّنَا لا تَقْبَلِيْنَا = فَبِالحَسَرَاتِ والأَحْزَانِ جِيْنَا خَرَجْنَا مِنْكِ بِالأَهْلِيْنَ جَمْعَاً = رَجِعْنَا لاَ رِجَال وَلا بَنِيْنَا وَكُنَّا فِي الخُرُوْجِ بِجَمْعِ شَمْلٍ = رَجِعْنَا حَاسِرِيْنَ مُسَلّبِيْنَا وَكُنَّا فِي أَمانِ اللهِ جَهْرَاً = رَجِعْنَا بِالقَطِيْعَةِ خَائِفِيْنَا وَمولانا الحسينُ لَنَا أَنِيْسٌ = رَجِعْنَا وَالحُسَيْن بِهِ رَهِيْنَا فنحنُ الضَائِعَاتُ بِلاَ كَفيلٍ = ونحنُ النائحاتُ على أَخِيْنَا ونحنُ السائراتُ على المَطَايَا = نُشَالُ على جِمَالٍ المُبْغِضِيْنَا ونحنُ بناتُ يس وطه = ونحنُ الباكياتُ على أَبِيْنَا ونحنُ الطاهراتُ بلا خفاءٍ = ونحنُ المُصْطَفُونَ المُخْلَصُوْنَا ونحنُ الصابراتُ على البلايا = ونحنُ الصادقونَ النَاصِحُوْنَا أَلاَ يَا جَدّنا قَتَلُوا حُسَيْنَاً = وَلَم يَرْعَوا جَنَابَ اللهِ فِيْنَا أَلاَ يَا جَدَّنَا بَلغتْ عِدَانَا = مُنَاهَا واشْتَفَى الأعداءُ فِيْنَا لقد هَتَكُوا النساءَ وحَمَّلُوْهَا = على الأقتاب قَهْرَاً أَجْمَعِيْنَا وزينبَ أَخْرَجُوْهَا مِن خِبَاهَا = وفَاطِم واله تُبْدِي الأَنِيْنَا سكينةُ تَشتكي مِن حَرِّ وَجْدٍ = تُنَادِي الغَوْث رَبّ العَالَمِيْنَا والقصيدة تركناها خوف الإطالة . قال الراوي : وأمّا زينب (عليها السلام) فأخذت بعضادَتَي باب المسجد ونادتْ : يا جدّاه ، إنّي ناعية إليك أخي الحسين (عليه السلام) ، وهي مع ذلك لا تجفّ لها عَبرة ولا تَفْتَر مِن البكاء والنحيب ، وكلّما نظرتْ إلى علي بن الحسين (عليها السلام) تَجَدَّد حزنها وزاد وَجْدُها . أقول : وكأنّي بها (عليها السلام) بعد أخيها الحسين (عليه السلام) لا زالت باكية العين حزينة القلب مُنْهَدّة الركن من المصيبة ، وكأنّي بلسان حالها يقول : يا غائباً عَن أهلِهِ أَتَعودُ أَمْ = تَبقى إلى يوم المِعَادِ مُغَيَّبَا يا ليتَ غائبَنَا يعودُ لأَهْلِهِ = فنقول أهلاً بالحبيبِ ومَرحَبَا لو كان مجروحاً لَعُولِجَ جَرْحُهُ = كيف العلاج ونور بهجتِهِ خَبَا |
| All times are GMT +3. The time now is 10:54 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.
الحقوق محفوظه لمنتدى صوت الرادود